محمد راغب الطباخ الحلبي

465

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

سره ، فاتفق له ذات يوم أنه وقف بين يدي الشيخ غاضا لطرفه ، ساكتا ، واضعا يده فوق الصدر ، فسأله الشيخ : لم فعلت ذلك ؟ فقال : طريق من كان بحضرة سلطان أن يغض طرفه ، أو بحضرة فقيه أن يكف لسانه ، أو بحضرة صوفي أن يوجه إليه قلبه ، وها أنا قد جمعت الثلاثة بين يديك لاستحقاقك مثل ذلك . وقد أفتى صاحب الترجمة ودرّس بالجامع الأعظم بحلب وانتفع به الناس . وما أحسن قول القاضي جابر متعرضا إليه وإلى البدر بن السيوفي رحمهم اللّه تعالى : سللن سيوفا من جفون لقتلتي * وأردفنها من هدبها بخناجر فقلت : أيفتى في دمي قلن لي : أجل * أجاز السيوفي ذاك وابن الخناجري وكنت ممن أخذ حظه منه فقرأت عليه « نزهة الحسّاب » بالمدرسة الشرفية ، وأجاز لي أن أقرأها بحق قراءته لها على ( العلامة الفرضي الحيسوب جمال الدين أبي النجا يوسف ابن علي بن محمد الإسعردي مولدا ، المقدسي منزلا ، الوفائي خرقة ، الشافعي ، صاحب المنظومة المسماة ب « بغية الرائض في علم الفرائض » بحق قراءته لها على ) « 1 » مؤلفها الشهاب أحمد بن الهايم المصري ثم القدسي . وكانت وفاته نهار عرفة من شهور سنة أربعين وتسعمائة بعد وفاة شيخنا الشهاب الهندي بأشهر معدودة ، فقلت في مرثيتهما معا حيث قلت : ثوى شيخنا الهندي في رحب رمسه * ففاضت دموعي من نواحي محاجري ومن بعده مات الإمام الخناجري * وبان فكم من غصة في الحناجر ومن لطائفه أنه مر يوما على الطائفة القلندرية ، فتقدّم إليه أحدهم ليأخذ منه فتوحا فقال له : أنت جرار وأنا جرار والجرار لا يأخذ من الجرار شيئا . وحضر عند جماعة في مأدبة ، فلما خرج من عندهم فبينما هو في الطريق إذ صادفه رجل راجع من جنازة بعض معارف الشيخ ، فقال له : أين كنتم ؟ إشعارا منه بأنا لم نركم في الجنازة ولا المقبرة ، فقال له : كنا بين القبور ، فقيل له في ذلك فقال : كنا بين القبور الماشية .

--> ( 1 ) ما بين قوسين إضافة من « در الحبب » ليست في الأصل .